الزواج من وجهة نظر الفيلسوف الالماني نيتشه

لي سؤال اخصك به لأسبر أعماق روحك يا أخي :

ـ أنت في مقتبل العمر وتتمنى أن يكون لك زوجة وولد ، ولكن قل لي : هل أنت الرجل الذي يحق له هذا التمني ؟ أأنت الظافر المنتصر على نفسه ، الحاكم على حواسه ، السائد على فضائلة ؟ أم أن تمنيك هذا ليس إلا شهوة حيوان أو خشية منفرد أو اضطراب من قام النزاع بينه وبين نفسه .

ان ما أريده منك هو أن تتوق بانتصارك وحريتك إلى التجدد بالولد .. إذ عليك أن تقيم الأنصاب إلى ما فوق مستواك .. وهل بوسعك أن تفعل إذا لم تكن متين البنية من رأسك إلى أخمص قدميك ؟


ليس عليك أن ترسل سلالتك إلى الأمام فحسب ، بل عليك بخاصة أن ترفعها إلى ما فوق .. فليكن عملك في حقل الزواج منصباً إلى هذه الغاية.
عليك أن توجد جسداًً جوهره أنقى من جوهر جسدك ليكون حركة أولى وعجلة تدور لنفسها على محورها ، فواجبك إذا إنما هو إبداع من يبدع.
ما الزاج في عرفي إلا اتحاد ارادتين لإيجاد فرد يفوق من كان علة وجوده فالزواج حرمة متبادلة ترسو على احترام هذه الإرادة .
ليكن هذا معنى زواجك وحقيقته ، أما ما يدعوه الدخلاء الأغبياء فأمر أحار في تعريفه ، فما هو إلا مسكنة روحية يتقاسمها اثنان ، ودنس يتمرغ به اثنان ، ولذة بائسة تتحكم في اثنين .. ولكن الدخلاء يرون في مثل هذا الزواج رباطاً عقدته السماء .
وما أنا بالمرتضي بمثل هذه السماء ، سماء الدخلاء أطبقت شباكها عليهم ، تباً لهم ، وسحقاً لمثل هذا الإله الذي يتقدم متراجعاً ليبارك اثنين لم يجمع هو بينهما .
لا يضحكنكم هذا الزواج ، فكم من طفل من حقه أن يبكي على أبويه ..!
رأيت رجلاً وقوراً فحسبته بالغاً من النضوج ما يدرك به معنى الأرض ، ولكنني رأيت امرأته بعد ذلك فلاحت لي الأرض كأنها مأوى المجانين .. أود لو تميد الأرض بي عندما أرى رجلاً فاضلاً يتخذ له زوجة حمقاء .
من الناس من يتجرد كالأبطال سعياً وراء الحقائق ، فلا يلبث أن يصطاد رباطاً مزيفاً يدعوه زواجاً .. ومنهم من يشتهر بحذره في علاقاته وبصرامته في اختياره ، فإذا هو بين ليلة وضحاها قد افسد حياته ووقف يدعو هذا الإفساد زواجاً .. ومنهم أيضاً من كان يفتش عن خادمة لها فضائل الملائكة ، فإذا هو ينقلب فجأة خادماً لامرأة ، وقد حق عليه أن يتصف هو بالفضائل الملائكية .
فتشت في كل مكان فما رأيت إلا مشترين يقبلون السلع وعيونهم تتدفق مكراً .
ولكن أمر هؤلاء الناس لا يتوصل في آخر الأمر إلى ابتياع هرة يدسها في جلبابه .
إنما ما تدعوه عشقاً إنما هو جنون يتتالى نوبة بعد نوبة حتى يجئ زواجكم خاتما هذه الحماقات بالحلقة المستقرة الكبرى .. وياليت حب الرجل للمرأة وحب المرأة للرجل كانا إشفاقاً يتبادله إلهان يتألمان .. ولكن هذا الحب لا يتجلى في الغالب إلا تفاهماً بين إحساس حيوانين .. وما خير الحب لو تعلمون إلاتحوّل واضطرام في ألم وخشوع ، ان هو إلا المشعل ينير أمامكم مسالك الاعتلاء .. وسيأتي يوم يتجه فيه حبكم إلي مقر أبعد وأرفع من مستقر ذاتكم .. لقد بدأتم بتعلم الحب ، لذلك ترتشفون الآن المرارة الطافية كالحبب على كأسه .
ان في كأس كل حب اطلاقاً وحتى في كأس أرقى حب ، مرارةٌ لا بد لكم من تجرعها ، وهذه المرارة هي التي تنبه فيكم الشوق إلى الإنسان المتفوق وتلهب فيكم الظمأ إليه ، أيها المبدعون .
إذا كان الظمأ هو الذي يدفع بك إلى طلب الزواج يا أخي ، وإذا كنت تشعر بشوقك يندفع كالسهم نحو الإنسان المتفوق فانني أقدس ارادتك واقدس زواجك .

Share on facebook
فاسبوك
Share on twitter
تويتر
Share on linkedin
لينكد إن
Share on whatsapp
واتساب

اترك تعليقاً

المشاركات الاخيرة

أحدث التعليقات

أفحص بحثك بالمجان

رفع الملف