نظريات علم الاجتماع – النظرية الماركسية

تعد النظرية الماركسية أو المادية التاريخية من أهم النظريات السوسيولوجية الكبرى إلى جانب النظرية الوضعية، والنظرية الوظيفية البنائية، والنظرية الإسلامية، والنظرية التفاعلية الرمزية، والنظرية الإثنومنهجية، والنظرية الماركسية الجديدة، ونظريات ما بعد الحداثة…إلا أن النظرية الماركسية أو النظرية المادية التاريخية قائمة على مبدإ الصراع الجدلي، والمادية التاريخية، وترجيح كفة ماهو مادي واقتصادي على ماهو فكري وثقافي.ومن ثم، تتخذ هذه النظرية توجها ماديا واقتصاديا محضا.

 مفهوم النظرية الماركسية

ترتبط النظرية الماركسية بالمفكر الألماني كارل ماركس (1818-1883م)، وهو فيلسوف ومؤرخ واقتصادي وثوري وعالم اجتماع. وقد ساهمت أفكاره في تطوير علم الاجتماع، وانتشار الماركسية في المجالات السياسية والاقتصادية والمجتمعية. وقد عرف بالمادية التاريخية والفلسفة الجدلية، ونقذه اللذيع للرأسمالية والبورجوازية على حد سواء، ودفاعه عن الطبقة البروليتارية – طبقة العمال – في وجه الطبقة المالكة لوسائل الإنتاج. لذلك، انضم إلى الجمعية العالمية للعمال. وعرف كذلك بطابعه الثوري ضمن الطبقة العمالية. وكان يقول بتغيير العالم بدل تفسيره. وقد تركت أفكاره بصمات واضحة على مجموعة من الكتابات التي تندرج ضمن الماركسية، سواء أكانت كلاسيكية أم معاصرة.

سياقها التاريخي

ظهرت الماركسية في سياق تاريخي تميز بالصراع النضالي والجدلي بين البورجوازية مالكة وسائل الإنتاج، والطبقة العمالية صاحبة القوة الإنتاجية، وكان ذلك في القرن التاسع عشر الميلادي، عصر الثورة الصناعية والعمالية. وكان سبب هذا الصراع هو الظلم الذي كانت تعانيه الطبقة البروليتارية؛ من جراء تعسف الطبقة البورجوازية وبطشها وتجبرها وتعنتها، إلى جانب ماكانت تمارسه من استغلال واستيلاب ومعاملة سيئة في حق هؤلاء العمال، وطردهم من أعمالهم ووظائفهم ومناصبهم.
ومن هنا، جاءت الماركسية للتعبير عن هموم الطبقة العمالية ومحنها وإحنها، وتجسيد آمالها وطموحاتها وتطلعاتها.ومن هنا، ” يمكننا القول: إن الاشتراكية، نقصد العلمية منها (الشيوعية)، قد مثلت ايديولوجية الطبقة العاملة في نضالها ضد الظلم والاستغلال الطبقي الذي ميز النظام الرأسمالي، فقد رافقت ولادتها حركة الطبقة العاملة في أوروبا (ألمانيا، وفرنسا، وإنجلترا، وبلجيكا، …)، وكانت تمثل التعبير السياسي والنظري عن تلك الحركة، والحاملة لأهدافها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، حيث شارك مؤسسا هذه الإيديولوجيا بقوة في نضالات الطبقة العاملة، سواء من خلال تأسيس الجمعية الأممية للعمال، أم من خلال عصبة الشيوعيين في ألمانيا.
لقد دخلت الاشتراكية العلمية منذ ولادتها في صراع ضد الليبرالية باعتبارها إيديولوجية النظام الرأسمالي، التي تسوغ مشروعيته، وتبرر تناقضاته واستغلاله البشع للعمال.وفي الوقت الذي اتخذت فيه الليبرالية طابعا محافظا، اتخذت الاشتراكية العلمية طابعا نقديا راديكاليا، استهدف بالدرجة الأولى الكشف عن مساوىء النظام الرأسمالي، والدعوة إلى تجاوزه عن طريق التغيير الجذري، بحيث تتحقق في الأخير العدالة الاجتماعية، وتسمو القيم الإنسانية.[1]
ويمكن التمييز بين ماقبل الماركسية التي كانت عبارة عن تصورات ميتافيزيقية وتأملات مثالية ساذجة وحالمة، ومرحلة الماركسية العلمية مع كارل ماركس وأنجلز، وقد تميزت هذه النظرية بطابعها العلمي واليقيني، بل إنها قادرة على الاستشراف والتنبؤ. وبالتالي، فقد كانت الماركسية نظرية سوسيولوجية ثورية وراديكالية لاتؤمن بتفسير العالم أو المحافظة عليه، بل كانت تدعو إلى تغييره جذريا، في إطار منظور مادي تاريخي وجدلي، يؤمن بالعمل والممارسة والبراكسيس، مع السعي الجاد إلى القضاء على الليبرالية والفكر البورجوازي الفردي. وأكثر من هذا، فقد وضعت الماركسية تطورا تاريخيا للبشرية التي قطعت أطوارا عدة هي: المرحلة المعاشية، والمرحلة العبودية، والمرحلة الإقطاعية، والمرحلة البورجوازية، والمرحلة الاشتراكية. وبعد ذلك، تنتقل الإنسانية إلى المرحلة الشيوعية بعد القضاء على الملكية الخاصة، وإزالة الدولة، والقضاء على الطبقات الاجتماعية، وإشاعة الأموال والنساء.
ومن هنا، فالماركسية فلسفة عمالية بروليتارية راديكالية وثورية، همها الوحيد هو الصراع الجدلي المستمر، والقضاء على البورجوازية الليبرالية، وتجاوز ماهو نظري وديني وروحي إلى ماهو مادي واقتصادي ومجتمعي، والإيمان بالتغيير الجذري الجدلي.

التصور النظري

إذا كانت الليبرالية تقوم على أسس خمسة هي: الفرد، والعقل، والحرية، والتسامح، والعدالة، فإن الاشتراكية العلمية، مع كارل ماركس وإنجلز، قد تجاوت الاشتراكية الطوباوية بأحلامها المثالية الموغلة في التجريد، كما يبدو ذلك جليا عند سان سيمون(Saint -Simon)، وشارل فورييه (Charles Fourier)، وإتيان كابيه (Etienne Cabet).
ومن ثم، ترتكز الاشتراكية العلمية على مجموعة من المبادىء والمقومات الأساسية، كنقد المجتمع القائم؛ والدعوة إلى مجتمع جديد أفضل؛ والدعوة إلى الثورة ونشرها عالميا؛ وإلغاء الملكية الخاصة؛ وتحقيق المساواة بين الأفراد؛ وتدخل الدولة في تنظيم الحياة الاقتصادية؛ وسيطرة البروليتاريا (العمال والفلاحون) على مقاليد الأمور والحكم؛ وتقييد حرية الأفراد في التملك والكسب والتصرف؛ والتوسع في الخدمات الاجتماعية والصحية[2]؛ والانتقال من مجتمع اشتراكي إلى مجتمع شيوعي بدون طبقات أو دولة، يشيع فيه المال والملكية الخاصة والنساء. وفي هذا، يقول لينين:”فما بقيت الدولة لاوجود للحرية وعندما توجد الحرية تنعدم الدولة…إن الأساس الاقتصادي لاضمحلال الدولة اضمحلالا تاما هو تطور الشيوعية تطورا كبيرا، يزول معه التضاد بين العمل الفكري والعمل الجسدي، عندئذ يمكن للدولة أن تضمحل تماما عندما يعتاد الناس تماما مراعاة القواعد الأساسية للحياة في المجتمع، وعندما يصبح عملهم لدرجة تجعلهم يعملون طوعا حسب طاقتهم.[3]
ويضيف:” نحن لسنا بخياليين، ونحن لاننكر ضرورة قمع مثل هذه المخالفات، ولكن هذا لا يحتاج إلى ماكينة خاصة للقمع؛ إلى جهاز خاص للقمع؛ فالشعب المسلح نفسه يقوم به ببساطة كما تقوم جماعة من الناس المتمدنين حتى في المجتمع الراهن بتفريق متشاجرين، أو الحيلولة دون الاعتداء على امرأة. وثانيا، نحن نعلم أن السبب الاجتماعي الأساسي للمخالفات التي تتجلى في الإخلال بقواعد الحياة في المجتمع هو استثمار الجماهير وبؤسها، عندما يزول هذا السبب الرئيسي، تأخذ المخالفات لامحالة في الاضمحلال. نحن لانعلم بأية سرعة وبأي تدرج، ولكننا نعلم أنها ستضمحل حتما، ومع هذا الاضمحلال تضمحل الدولة أيضا.[4]
بيد أننا في حاجة ماسة، اليوم، إلى التمسك بتلابيب الدولة وتقويتها مؤسساتيا، وخاصة مع كثرة الاضطرابات والفتن والقلاقل والحروب والصراعات بين العشائر والقبائل والطوائف والإثنيات والدول… لذا، فتصور ماركس أو لينين بانتهاء الدولة مع الشيوعية مجرد خيال طوباوي حالم، لا أساس له من الصحة المنطقية أو الواقعية أو السياسية.
وعليه، ينبني التصور السوسيولوجي، عند ماركس وأنجلز معا، على المنظور المادي التاريخي والجدلي، بإقامة مجتمع اشتراكي تسيطر فيه الطبقة البروليتارية على وسائل الإنتاج، ريثما يتحقق الانتقال إلى المجتمع الشيوعي الذي تنعدم فيه الدولة والطبقات، وتشيع فيه الأموال والنساء. وينبني هذا التصور الماركسي على مراحل تاريخية متعاقبة هي: مرحلة انتصار الاشتراكية في الاتحاد السوفياتي؛ ومرحلة التكوين الاشتراكي العالمي؛ ومرحلة الشيوعية، وتحول الدول الرأسمالية إلى دول اشتراكية، ثم الانتقال إلى دول شيوعية.
بيد أن هذه المراحل والتصورات الماركسية عبارة عن أحلام يوطوبية بمفهوم كارل مانهايم(Karl Mannheim) لليوطوبيا التي تعني عدم تطابق الحالة العقلية مع الواقع. وهذا ما جعل بوتومور يقول:” إن الذي يتعذر غفرانه هو أن ماركس قد عمد إلى التضحية بالعلم الوضعي على مذبح الميتافيزيقا، وإنه لم يبد في البحث إلا ذلك الدليل الذي يؤيد الرؤية للعالم والتاريخ يبدعها خيال شعري وفلسفي لايرقى إليه شك بعدئذ.وباختصار، إنه ماركسي فج، وكان المبشر والداعي إلى عقيدته.[5]
ويعني هذا أن الماركسية عبارة عن فكر ميتافيزيقي لايمت بصلة إلى الواقع العلمي والوضعي. وبالتالي، فالسوسيولوجيا الماركسية عبارة عن سوسيولوجيا ثورية راديكالية انتقادية وتقويضية، لايهما سوى خوض الصراع الجدلي لتقويض الفكر الليبرالي البورجوازي.
وهكذا، فقد ” ارتدى الإسهام العلمي لماركس وأنجلز ثوبا إيديولوجيا راديكاليا، لأنه لم يقف عند حدود الكشف عن الطابع الاستغلالي للنظام الرأسمالي من خلال التفسير العلمي الموضوعي، ولكنه تجاوزه إلى الدعوة إلى إقامة مجتمع بديل يقوم على رؤية ايديولوجية اشتراكية. ومن هنا، صنفت أعمال ماركس وإنجلز ومن نحا نحوهما ضمن ما يسمى بعلم الاجتماع الراديكالي، وكان من الطبيعي أن يدخل هذا الأخير في صراع إيديولوجي مع علم الاجتماع اليبرالي، على غرار الصراع الإيديولوجي القائم بين الليبرالية والاشتراكية.”[6]
وأكثر من هذا، يغيب الطابع العلمي في السوسيولوجيا الماركسية، وتتحول إلى عقيدة إيديولوجية ضحلة تعيق التقدم والتطور والازدهار. وفي هذا، يقول محمد محمد أمزيان:” إن هذه الدعوة العقائدية التي تميزت بها النظرية الماركسية لم تكن خاصة بها، فهي خاصية من خصائص المنهج الوضعي على العموم، وهي نفسها التي وجهت الوضعية في بحوثها.وهذه الدعوة العقائدية، نظرا لما تنطوي عليه من ضحالة فكرية تقف في وجه التفكير العلمي الصحيح، وتعرقل مسيرته نحو النمو، وتنتهي به إلى كثير من الضلال المنهجي، ويتحول العلم معها إلى الاعتقاد في العلم يتحول معه هذا الأخير إلى عقائدية ميتافيزيقية لها طابع فلسفي ينأى بالفكر العلمي عن بلوغ أهدافه، ويتيه في مثاليات يؤمن بها الباحث المتعصب لمذهبه، ويظل حبيسا للنزعات الذاتية والآراء الشخصية والافتراضات القبلية….”.[7]
وهكذا، يمكن القول: إن سوسيولوجيا ماركس هي سوسيولوجيا ثورية راديكالية، تنقد الواقع الكائن، بتغييره نحو الأحسن، باستشراف واقع ممكن أفضل، يسود فيه الوعي الواقعي الحقيقي، وهو وعي الطبقات العمالية المبني على تغيير الظروف المستلبة، بالسيطرة على وسائل الإنتاج، وخلق أساليب إنتاجية جديدة.

المطلب الرابع: التصور المنهجي

تستند النظرية الماركسية إلى المادية الجدلية القائمة على فكرة الصراع الكمي والكيفي، والإيمان بالجدل الثلاثي: الأطروحة، ونقيض الأطروحة، والتركيب، والاعتماد على المادية التاريخية في تفسير تطور المجتمعات البشرية. وقد تأثر ماركس تأثرا كبيرا بأفكار هيجل(Hegel).إلا أن مثالية هيجل المطلقة لم تعجب كارل ماركس، مادامت تؤمن بأهمية الفكر في تغيير الواقعي بشكل ديالكتيكي. في حين، قلب ماركس هذه المعادلة الجدلية المثالية ليصبح الواقع المادي هو أساس الفكر، له الأسبقية والتأسيس والتوجيه. وفي هذا، يقول ماركس في كتابه (رأس المال):”إن منهجي الديالكتيكي لايختلف عن المنهج الجدلي الهيجيلي من حيث الأساس وحسب، بل إنه الضد المقابل له مباشرة. فالبنسبة لهيجل: إن عملية تطور الفكر ونموه، هذه العملية التي يشخصها ويعتبرها مستقلة، ويطلق عليها اسم الفكرة، هي في نظره خالقة الواقع.فما الواقع في نظره إلا المظهر الخارجي للفكر. أما بالنسبة لي، فإن عالم الأفكار ليس إلا العالم المادي منقولا إلى الذهن البشري ومترجما فيه.”[8]
ومن ثم، فالديالكتيك عند هيجل” يسير على رأسه. وتكفي إعادته على قدميه لكي نرى له هيئة معقولة تماما.[9]
وكان كارل ماركس قد كتب رسالة إلى أحد أصدقائه يقول فيها:” إن منهجي في التحليل ليس هو منهج هيجل، لأنني مادي، وهيجل مثالي. إن ديالكتيك هيجل هو الشكل الأساسي لكل ديالكتيك، ولكن بعد أن يتعرى من صورته الصوفية.وهذا بعينه ما يميز منهجي.[10]
ومن هنا، تتجاوز مادية كارل ماركس الجدلية الماديات السابقة كالمادية الأرسطية؛ والمادية الذرية مع ديمقريطيس؛ والمادية التجريبية الإنجليزية مع جون لوك، ودافيد هيوم، واستيوارت ميل؛ والمادية الميكانيكية مع فيورباخ. وهنا، تعطى الأسبقية لما هو مادي واقتصادي على ماهو فكري وإيديولوجي. كما أن البنية التحتية ذات الطبيعة المادية هي التي تتحكم في البنية الفوقية القائمة على الفكر والدين والتصوف والأدب والفن والإيديولوجيا… وفي هذا، يقول ماركس:” ليس وعي الناس هو الذي يحدد وجودهم، بل على العكس من ذلك، إن وجودهم الاجتماعي هو الذي يحدد وعيهم”[11].
ويعني هذا أن ما هو اقتصادي ومادي ومجتمعي هو الذي يحدد فكر الناس ووعيهم ووجودهم. ولايعني هذا أن الفكر سلبي، لادور له في تغيير المجتمع أو التأثير فيه، بل يؤمن بفعاليته وخصوبته، وتأثيره في المجتمع المادي المحسوس. وفي هذا، يقول ماركس:” إن العيب الرئيس للمادية السابقة كلها، بما فيها مادية فيورباخ، هو أن الشيء، الواقع، العالم المحسوس، لاينظر إليه فيها إلا على شكل موضوع تأمل وليس كفاعلية إنسانية مشخصة، ليس كممارسة، وليس ذاتيا…إن المذهب المادي القائل إن الناس هم نتاج الظروف والتربية، وأن الناس الذين تغيروا هم بالتالي نتاج ظروف أخرى وتربية تغيرت، أن هذا المذهب المادي ينسى أن الناس هم بالضبط الذين يغيرون الظروف، وأن المربي نفسه هو في حاجة إلى أن يربى[12].”
وعليه، فثمة علاقة جدلية أو علاقة تأثر وتأثير بين الفكر والواقع، بين الوعي والمادة، بين البنى الفوقية والبنى التحتية.
 أضف إلى ذلك أن المادة عند ماركس ليست ساكنة، بل متحركة وديناميكية، وفي حركة دائمة.وهذه الحركات أنواع: حركة ميكانيكية (في المكان)، وحركة فيزيائية ( داخل المادة نفسها)، وحركة كيماوية (تفاعلات)، وحركة بيولوجية (حركة الأعضاء)، وحركة اجتماعية (العلاقات الاجتماعية وتطور المجتمع والتاريخ)…وتنتج هذه الحركات عن التناقضات الجدلية الداخلية والخارجية، والتناقضات الكمية والكيفية.
وعليه، فقد تبنى ماركس المادية التاريخية ذات الأساس الجدلي. وهي نظرية وفلسفة ومنهجية وممارسة علمية وعملية. ومن ثم، ترفض الماركسية الجدلية ميكانيكية فيورباخ، ومثالية هيجل، والفلسفة الوضعية التي تبوئ العلم مكانة كبرى. في حين، ترى العالم قائما على الصراع الجدلي، أساسه التناقضات الداخلية والخارجية، والتناقضات الكمية والكيفية. ويعني هذا إذا كانت الوضعية تقول بالنظام والتوازن والتكامل، فإن جدلية ماركس تقول بالصراع والتناقض الديالكتيكي. ومن ثم، فالحقائق ليست مطلقة أو نهائية، بل هي تحليل ملموس لموقف ملموس. علاوة على ذلك، فالماركسية، إلى جانب كونها فلسفة ومنهجية، فهي عمل وممارسة، أو كما يقول لينين دليل للعمل.وبهذا، يكون الباركسيس أو العمل أو الممارسة أفضل بكثير من النظريات المجردة. إذاً، فالعملي أكثر أهمية من النظري. ويؤكد ماوتسي تونغ هذه الفكرة بقوله:” إن ممارسة الإنسان هي وحدها مقياس الحقيقة. لأن المعرفة الإنسانية لاتثبت صحتها إلا حين يتوصل الإنسان إلى النتائج المقدرة سلفا بواسطة عملية الممارسة، إن عملية المعرفة تبدأ بالممارسة وتبلغ المستوى النظري بواسطة الممارسة، ومن ثمة ينبغي لها أن ترجع إلى الممارسة…إن مشكلة معرفة ما إذا كانت النظرية صحيحة، متفقة مع الحقائق الموضوعية، لاتحل تماما إلا بإعادة توجيه المعرفة العقلية إلى الممارسة الاجتماعية، وتطبيق النظرية على الممارسة للتحقق مما إذا كانت تستطيع أن تحقق النتائج المرتقبة…[13]
ومن جهة أخرى، أهم شيء في المادية التاريخية هو منهجها الدياليكتيكي الذي يتحكم في الممارسة بالتعديل والتصحيح والتغيير. ومن ثم، فقوانين الديالكتيك المادي – حسب فردريك أنجلز(Friedrich Engels)[14]– ثلاثة هي:
uقانون وحدة المتناقضات وصراعها. بمعنى أن المتناقضات الجدلية توجد داخل الشيء الواحد، وأنه لايمكن الفصل بين الشيء وتناقضه، أو الفصل بين الأطراف المتناقضة عن بعضها البعض. كما أن أشياء العالم تتكون من المواد الجامدة والحية. وعلى الرغم من تنافر الضدين وتناقضهما فهما متلازمان جدليا، وهذا التناقض أو الصراع هو أساس التطور والنمو. ويقول لينين:” إن النمو هو صراع الأضداد”. ومن ثم، فهناك نوعان من التناقضات: تناقضات داخلية تقع داخل الشيء الواحد، وتناقضات خارجية بمثابة صراع الشيء مع محيطه الخارجي. لذلك، فالتناقضات الداخلية أهم من الخارجية.وفي هذا، يقول ماوتسي تونغ:”يعتبر الديالكتيك المادي أن الأسباب الخارجية هي شرط التبدل، والأسباب الداخلية هي أساس التبدل.والأسباب الخارجية إنما تفعل فعلها عن طريق الأسباب الداخلية.فالبيضة تتبدل في درجة حرارة ملائمة فتصير كتكوتا، ولكن الحرارة لاتستطيع أن تحول الحجر إلى كتكوت، لأن أساس التبدل في الأول يختلف عنه في الثاني[15].”
كما تميز المادية الجدلية بين التناقضات الداخلية والخارجية، تميز أيضا بين التناقض الأساسية والتناقضات الثانوية.فالتناقض الأساس هو الذي يقوم بالدور الحاسم والمؤثر في الصراع. في حين، يعد دور التناقض الثانوي مكملا وهامشيا. وفي هذا الصدد، يقول ماوتسي تونغ:” ثمة تناقضات عديدة في عملية تطور شيء معقد. ومنها تناقض هو بالضرورة التناقض الرئيسي الذي يحدد وجوده وتطوره، وجود التناقضات الأخرى أو يؤثر فيها.[16]
ويعني هذا أن التناقض الرئيسي (أ) قد يكون له دور كبير في فترة زمنية معينة إلى جانب التناقضات الثانوية (ب) و(ج). لكن مع تغير الظروف التاريخية والتطورية والنمائية، قد يصبح تناقض(ب) أكثر أهمية من تناقض (أ).
ومن ناحية أخرى، قد ينتج عن التناقضات صراع من نوع صراع الأضداد، مثل: صراع البورجوازية مع العمال ينتج عنه صراع الطبقات. وقد لاينتج عن تلك التناقضات أي صراع، مثل: التناقضات داخل الطبقة العمالية نفسها التي تختفي بالممارسة الثورية، وعملية النقد الذاتي.
v قانون تحول الكم إلى كيف: ويعني هذا أن التحولات الكمية قد تنتج عنها تحولات كيفية، مثل: غليان الماء في درجة معينة على مستوى الكم، ينتج عنه تحول كيفي بالانتقال من الماء إلى البخار. وقد يحدث التحول الكيفي إما بشكل مباغت ومفاجىء، وإما بشكل طفرة أو قفزة في شكل دفعة واحدة أو دفعات متعاقبة، وإما بشكل تدريجي. ومن ثم، فدلالة قانون تحول الكم إلى الكيف يعني” أن التزايد التدريجي في التغيرات التي تخلق الكم، والتي تكون أول الأمر ضعيفة غير مشاهدة، تؤدي عندما تصل درجة معينة، إلى تغيرات كيفية جذرية تختفي معها الكيفية القديمة لتحل محلها كيفية جديدة، ينتج عنها بدورها تغيرات كمية.[17]
ويعني هذا كله أن التراكم الكمي ينتج عنه تحول كيفي بصيغ متعددة ومختلفة ومتنوعة. ويقول ماركس:” إنه في مرحلة ما من مراحل التطور، يؤدي التغير البسيط في الكم الذي بلغ درجة معينة، إلى اختلافات في الكيفية.[18]
w قانون نفي النفي: يقصد بنفي النفي نقيض الأطروحة ونفيها. بمعنى أن الشيء له أطروحة (Thèse)، ونقيض(Antithèse)، وتركيبSynthèse)). فظهور الشيء الجديد من القديم يعتبر نفيا للقديم. ولكن هذا الجديد بدوره يصبح قديما، فيأتي جديد آخر ليصبح نفيا للنفي. ولابد من الاحتفاظ، أثناء عملية نفي النفي، بالجوانب الإيجابية في المنفي، وتفادي سلبياته؛ لأن عملية نفي النفي تساعد على النمو والتقدم والازدهار، وإلا أدى ذلك إلى التكرار والوقوف عند حدود دائرة مغلقة. ومن هنا، فالتاريخ، في المنظور الجدلي، يسير في خط مستقيم بشكل تصاعدي من الأدنى إلى الأعلى، في إطار تطور جدلي ديالكتيكي، يتصارع فيه القديم والجديد، ويتم هذا التقدم التاريخي في شكل حركة لولبية، ولكن تظهر من حين لأخرى بعض الحوادث التي تتخذ طابعا تكراريا، فنقول: إن التاريخ يعيد نفسه: لكن هذا لايؤثر في مسار التاريخ وتقدمه وتطوره إلى الأمام.
وقد صاغ ستالين أربعة قوانين في كتابه (المادية الجدلية والمادية التاريخية) عام 1938م، حيث أضاف قانونا رابعا على الوجه التالي:
u قانون الترابط العام بين الظواهر؛
vقانون الحركة والتطور في الطبيعة والمجتمع؛
wقانون التحول من الكم إلى الكيف؛
xقانون صراع المتناقضات.
بيد أن المفكرين الإيديولوجيين في الاتحاد السوفياتي عادوا، بعد وفاة ستالين، إلى قوانين إنجلز الثلاثة.
وخلاصة القول، يتبين لنا، مما سبق ذكره، أن السوسيولوجيا الماركسية مرتبطة بكارل ماركس من جهة، وأنجلز من جهة أخرى. وتؤمن السوسيولوجيا الماركسية بأهمية العمل وأسبقيته على الفكر النظري. وبالتالي، فالممارسة العملية أو البراكسيسية أساس تطور المجتمعات. كما أن الأساس المادي والاقتصادي والمجتمعي أهم من البنى الفوقية. ومن ثم، تنبني السوسيولوجيا الماركسية على المنهج الجدلي القائم على القوانين الثلاثة، ووحدة صراع المتناقضات، وقانون الكم والكيف، وقانون نفي النفي.
وما يلاحظ على هذه السوسيولوجيا أنها رؤية ثورية تقويضية وراديكالية أساسها التغيير الجدلي انطلاقا من المادية التاريخية، لكن يغلب عليها الطابع الميتافيزيقي، والرؤية الشعرية الحالمة، والطوباوية الخيالية، وانفصال النظرية عن الواقع، وفشل التنبؤات الماركسية في تحقيق غاياتها ومراميها وأهدافها البعيدة. والدليل على ذلك أن تحولت الدول الاشتراكية إلى دول رأسمالية أو دول اقتصاد السوق بدلا من تحولها إلى دول شيوعية.


[1] – وسيلة خزار: الإيديولوجيا وعلم الاجتماع، ص: 89-90.
[2] – وسيلة خزار: نفسه، ص: 88-90.
[3] – فتح الرحمن أحمد محمد الجعلي: الإيمان بالله والجدل الشيوعي، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر؛ الدار السعودية للنشر والتوزيع، الرياض، السعودية، طبعة 1984م، ص: 94.
[4] – فتح الرحمن أحمد محمد الجعلي: الإيمان بالله والجدل الشيوعي، ص: 93.
[5] – بوتومور: علم الاجتماع منظور اجتماعي نقدي، ترجمة: عادل مختار الهواري، نشر وتوزيع الشركة العامة للتجهيز والتوزيع، فاس، المغرب، ص: 85.
[6] – وسيلة خزار: نفسه، ص: 90.
[7] – محمد محمد أمزيان: نفسه، ص: 103-104.
[8] – محمد عابد الجابري: من دروس الفلسفة والفكر الإسلامي، دار النشر المغربية، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2010م، ص: 91.
[9] – محمد عابد الجابري: من دروس الفلسفة والفكر الإسلامي،ص: 91.
[10] – محمد عابد الجابري: نفسه، ص: 91.
[11] – محمد عابد الجابري: نفسه، ص: 91.
[12] – محمد عابد الجابري: نفسه، ص: 92.
[13] – محمد عابد الجابري: نفسه، ص: 94.
[14] فردريك إنجلز (1820-1895م) فيلسوف ألماني ورجل صناعة، وضع أسس الماركسية مع صديقه كارل ماركس. نشر كتابه (حالة الطبقة العاملة في إنجلترا)، وأصدر مع ماركس بيانهما المعروف ببيان الحزب الشيوعي.
[15] – محمد عابد الجابري: نفسه، ص: 95.
[16] – محمد عابد الجابري: نفسه، ص: 95.
[17] – محمد عابد الجابري: نفسه، ص: 96.
[18] – محمد عابد الجابري: نفسه، ص: 96.
Share on facebook
فاسبوك
Share on twitter
تويتر
Share on linkedin
لينكد إن
Share on whatsapp
واتساب

اترك تعليقاً

المشاركات الاخيرة

أحدث التعليقات

أفحص بحثك بالمجان

رفع الملف